صفي الرحمان مباركفوري

271

الرحيق المختوم

لفقرهما ، وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة ، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل اللّه . كانت غزوة بني النضير في ربيع الأول سنة 4 من الهجرة ، أغسطس 635 م . وأنزل اللّه في هذه الغزوة سورة الحشر بأكملها ، فوصف طرد اليهود ، وفضح مسلك المنافقين ، وبين أحكام الفيء ، وأثنى على المهاجرين والأنصار ، وبين جواز القطع والحرق في أرض العدو للمصالح الحربية ، وأن ذلك ليس من الفساد في الأرض ، وأوصى المؤمنين بالتزام التقوى والاستعداد للآخرة ، ثم ختمها بالثناء على نفسه وبيان أسمائه وصفاته . وكان ابن عباس يقول عن سورة الحشر : قل : سورة النضير « 1 » . غزوة نجد وبهذا النصر الذي أحرزه المسلمون - في غزوة بني النضير - دون تضحيات توطد سلطانهم في المدينة ، وتخاذل المنافقون عن الجهر بكيدهم ، وأمكن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يتفرغ لقمع الأعراب الذين آذوا المسلمين بعد أحد ، وتواثبوا على بعوث الدعاة يقتلون رجالها في نذلة وكفران « 2 » ، وبلغت بهم الجرأة إلى أن أرادوا القيام بجر غزوة على المدينة . فقبل أن يقوم النبي صلى اللّه عليه وسلم بتأديب أولئك الغادرين نقلت إليه استخبارات المدينة بتحشد جموع البدو والأعراب من بني محارب وبني ثعلبة من غطفان ، فسارع النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الخروج ، يجوس فيافي نجد ، ويلقي بذور الخوف في أفئدة أولئك البدو القساوة ، حتى لا يعاودوا مناكرهم التي ارتكبوها مع المسلمين . وأضحى الأعراب الذين مردوا على النهب والسطو لا يسمعون بمقدم المسلمين إلا حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال . وهكذا أرهب المسلمون هذه القبائل المغيرة وخلطوا بمشاعرهم الرعب ، ثم رجعوا إلى المدينة آمنين . وقد ذكر أهل المغازي والسير بهذا الصدد غزوة معينة غزاها المسلمون في أرض نجد في شهر ربيع الثاني أو جمادى الأولى سنة 4 ه ، ويسمون هذه الغزوة بغزوة ذات

--> ( 1 ) ابن هشام 2 / 190 ، 191 ، 192 ، زاد المعاد 2 / 71 ، 110 ، صحيح البخاري 2 / 574 ، 575 . ( 2 ) كلمة لمحمد الغزالي في فقه السيرة ص 214 .